القائمة الرئيسية

الصفحات


تراسل الحواس (1) ثناء حاج صالح


تراسل الحواس (1)

ثناء حاج صالح

بين الاستعارة المكنية والمجاز المرسل تقف نظرية (تراسل الحواس) في خلفية ظاهرة ما يمكن تسميته بالهذيان في النصوص ما بعد الحداثية . وهذه وجهة نظري.
 فعلى الرغم من أن نظرية تراسل الحواس تعود في تأصيلها إلى الشعر الجاهلي فإن الإفراط في الاعتماد عليها في تشكيل الصورة الشعرية في النصوص الحداثية ( مع عدم الاهتمام بتقوية السياق ) ومع سوء ظن النقاد بأصحاب تلك النصوص عند قراءتها قد أدى إلى تهميش الأساليب البيانية الصحيحة التي تستند إليها في كثير من الأحيان. 
.
علّقتُ مرة على أحد النصوص (ما بعد الحداثية) بالسؤال التالي: 
.
( كيف تقول: شربتُ القمر ؟ هل القمر قابل للشرب ؟)
فأجابني صاحب النص قائلا : 
إنما هو مجاز لغوي . ألم تقرئي قوله تعالى : (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم )؟ فهل العجل قابل للشرب ؟ 
قلت:إنما المقصود بذلك أن حُبَّ العجل قد خالط قلوبهم فتشربته كما يتشرب النسيج لون الصباغ . فكلمة (حب) محذوفة. فقال:
وأنا أقصد أن نفسي قد تشربت ضوء القمر فصارت مضيئة ، فكلمة (ضوء ) محذوفة . 

فقلت : ولكنك لم تقل (تشرّبت) بل قلت : شربت . وثمة فرق بين التشرّب والشرب . فقال :(( الفرق بين شربت القمر وتشربت القمر كالفرق بين (أشربوا العجل وشربوا العجل ) فهو فرق صرفي ليس إلا. فالفعل أَشرَبَ فعل متعدٍ إلى مفعولين بينما الفعلان شرب وتشرَّب متعديان إلى مفعول واحد، وهذا الفرق لا ينفي أن النتيجة هي نفسها ؛ فقد أصبح العجل في قلوبهم بعد أن أشربوه أو أشربوا حبه. وكذلك أصبح القمر في نفسي بعد أن تشربت ضوءه أو شربته . ))
.
فهل يمكن لثمرات التعبير المشوّهة والفاسدة التي نقطفها اليوم من نصوص (ما بعد الحداثة ) أن تكون منبثقة من جذور سليمة وصحيحة بيانيا وبلاغيا؟ 
هل يمكن ذلك؟
نعم ، بعض ذلك ممكن، وممكن جدا. 

 فبالنظر إلى طبيعة وظيفة اللغة الفطرية والأصلية عند البشر (وهي التوصيل والتواصل ) ، فإن أي عبارة لغوية يؤلفها شخص متكلم عاقل (المرسل) ليتواصل بها مع غيره (المتلقي) ، لا بد أن تكون ذات قصد معنوي يمثل فكرة معينة تجول في ذهن المرسل، 
 لذا فإن الافتراض بأن المرسل فاهم لمعنى العبارة التي ألّفها إنما هو شرط أساسي ينبغي أن يتوفر في المتلقي ليتمكن من استيعاب معنى العبارة. 
وإذا كان المعنى واضحا حقا في ذهن المرسل فإنه من غير المنطقي ولا المعقول أن يختار ألفاظا لا تناسب المعنى الذي يفهمه ويريد إيصاله. فهذا مخالف لطبيعة عمل العقل .

إذن ، لماذا لا نفهم الكثير مما تأتي به النصوص (ما بعد الحداثية ؟ ) 
.
الأسباب كثيرة جدا ، ومنها:
أن نجاح عملية التواصل بين الطرفين (المرسل والمتلقي ) مرهون بشرط يتعلق بالمتلقي وهو: موافقته المبدئية على افتراض وجود قصد معنوي يمكن فهمه من عبارة المرسل. ولنسمّ هذا الشرط بـ(حُسن ظن المتلقي). وهو شرط أساسي لا يمكن التنازل عنه، فغيابه يعني عدم استعداد ذهن المتلقي للاستيعاب. 

.
يتبع
المنتدى العالمي للأدباء والكتاب العرب